الشيخ محمد تقي الرازي الأصفهاني

272

هداية المسترشدين ( طبع قديم )

بكل منهم على سبيل البدلية حسب ما فصلنا القول فيه بل لا يصح ذلك على القول بوجوبه على المجموع إلا بإرجاعه إلى ما قلناه حسب ما أشرنا إليه هذا وقد ظهر مما قررناه سابقا حجة القول الرابع المحكي عن بعض المعاصرين وغيره والوجه في وهنه فلا حاجة إلى إعادته وقد اتضح من التأمل في جميع ما ذكرناه حجة القول المختار ودفع ما ربما يتوهم من الإيراد في المقام فلا حاجة إلى تطويل الكلام ولنتمم الكلام في المرام بذكر أمور أحدها أنه لا ريب أنه لو ترك الواجب الكفائي جميع المكلفين الواجدين لشرائط التكليف به عصى الكل على ما هو قضية التكليف في المتعلق بهم كما عرفت ولا خلاف فيه على شيء من الأقوال المذكورة نعم قد يتوهم على القول بتعلق التكليف بالمجموع إن لم يفسر بما يرجع إلى المختار توزيع العقاب حينئذ على الجميع وليس كذلك إذ ليس الواجب عليهم عند القائل المذكور توزيع العمل على الجميع حتى يترتب عليه توزيع العقاب عليهم فهو أيضا يقول بتحقق العصيان بالنسبة إلى كل منهم وكذا لا ريب في سقوط التكليف عن الجميع بفعل البعض وكذا عدم استحقاق غير الفاعل للثواب وإن كان سقوط الواجب عن الباقين بأدائه وذلك لحصول الأداء من غيره فلا داعي لاستحقاقه الثواب بفعل غيره وإنما يقع الكلام في المقام في أمور الأول أنه هل يجوز للجميع التلبس بالفعل فإن قلنا بوجوب الفعل على الجميع على نحو سائر الواجبات إلا أنه يسقط عن الباقين بعد أداء البعض فلا ينبغي الريب في الجواز بل ووجوبه عليهم قبل حصول الفعل من البعض وإن قلنا بوجوبه على الكل بدلا كما هو المختار فقد يشكل ذلك نظرا إلى أن الواجب فعل واحد فالإتيان بما يزيد عليه لا دليل على شرعيته وفيه منع ظاهر لتعلق الأمر في الكفائي بمطلق الطبيعة كغيره من الواجبات فالقول بأن الواجب هو المرة مما لا وجه له نعم لو قام الدليل على كون المطلوب هو الفعل الواحد كتغسيل الميت حيث إن المطلوب هناك غسل واحد لا أزيد لم يشرع التلبس بأغسال عديدة وإنما يشرع الإتيان بفعل واحد منها وإن وجب ذلك على الكل ولا مانع من تعدد المباشر مع اتحاد الفعل لما عرفت من كون وجوبه عليهم على سبيل البدل وكذا الحال في الفعل المحرم إذا صار واجبا كفائيا لأجل التقية أو غيرها إذ لا يجوز الإتيان بواحد مع اندفاع الضرورة به وإن وجب الإتيان به كذلك على الجميع وهذا بخلاف ما لو كان المطلوب مطلق الطبيعة وإن لزمه اتصاف الواحد بالوجوب وأداء الواجب ولذا لا يتعين على الجميع التلبس به فإن ذلك لا ينافي اتصاف الجميع بالوجوب لو أتى به دفعة نظرا إلى حصول الطبيعة به أيضا فإن قلت إنه مع حصول الطبيعة بالواحد كحصولها بالمتعدد لم لا يكون أداء الواجب هنا بالواحد دون المتعدد لحصول الواجب به فلا حاجة إلى ما يزيد عليه بل لا يشرع الزيادة عليه على ما يقتضيه الأصل وأيضا قضية حصول الطبيعة في ضمن الجميع أداء الواجب الذي هو الإتيان بالطبيعة بذلك لحصول الطبيعة بالمتعدد كحصولها بالواحد وهو خلاف المفروض في المقام إذ كل منهم إنما يقصد أداء الواجب بفعله وليس المقصود أداء الواجب بالمجموع قلت يمكن دفع الأول بأنه مع صدق الطبيعة على الواحد والمتعدد لا بد من اتصاف الكل بالوجوب قبل سقوط الواجب نظرا إلى صدق الطبيعة الواجبة عليه فلا وجه للقول بأدائها لخصوص الواحد والثاني بأنه ليس المقصود من صدق الطبيعة على المتعدد حصول الامتثال هنا بالمجموع ليكون الإتيان به امتثالا واحدا أو أداء واحدا للواجب وإن كان المؤدى متعددا نظرا إلى حصول الطبيعة الواجبة بالمتعدد على نحو حصولها بالواحد بل المقصود اتصاف كل منهما بالوجوب نظرا إلى حصول الطبيعة به فيتعدد أداء الواجب بتعددها ولا مانع منه بعد تعلق الأمر بمطلق الطبيعة وجواز الاقتصار حينئذ على البعض لا ينافي وجوب الكل إذ الأمر بأداء الطبيعة المطلقة يعم الواحد والمتعدد ويحصل المطلوب بكل من الوجهين فله الاقتصار على أداء واحد وله الإتيان بالمتعدد قبل سقوط الواجب لبقاء الأمر وصدق الطبيعة عليه فليس الواجب إلا مطلق الطبيعة الحاصلة بتلك الحصولات فيتصف الجميع بالوجوب من جهة حصولها لكل منها فلا وجوب لشيء منها بالخصوص وإنما يتصف بالوجوب من جهة حصول الواجب أعني الطبيعة المطلقة بها وقد مرّ الكلام في ذلك في بحث المرة والتكرار ويشكل الحال في المقام بأن ذلك إن تم فإنما يتم في الواجبات العينية وأما في المقام فلا يصح ذلك إذ المفروض كون الوجوب هنا على الجميع بدلا فكيف يصح القول باتصاف الكل بالوجوب معا ويدفعه أن مفاد الوجوب عليهم بدلا هو أداء الواجب بفعل أيّ منهم حسب ما مرّ بيانه لا تعلق الوجوب بالواحد على وجه يتأتى حصول الواجب من المتعدد وذلك يقضي بسقوطه عن الباقين بعد فعل الواحد وأما إذا اقترنت أفعالهم فالكل يتصف بالوجوب لأداء كل منهم ما وجب عليه قبل سقوط الواجب مع قبول الواجب التعدد لتعلقه بالطبيعة فهو نظير اتصاف الأفراد المتعددة الحاصلة من مكلف واحد قبل سقوط الوجوب عنه عند تعلق الأمر بالطبيعة حسب ما مرّ بيانه فتأمل الثاني أنه هل يسقط الوجوب عن الباقين بشروع البعض فيه أو أنه إنما يسقط بإتمام الفعل وجهان وظاهر جماعة منهم بقاء الوجوب ما لم يحصل الإتمام وهو الذي يقتضيه الأصل وإطلاق الأمر وهو المختار ولا فرق بين الإتيان بمعظم الفعل وعدمه فيجوز إتيان الغير به على وجه الوجوب لكن لو كان المطلوب فعلا واحدا كما مر أشكل إقدام الباقين عليه حينئذ فالظاهر السقوط عنهم حينئذ سقوطا مراعى بإتمام المباشر وأما لو كان المطلوب مطلق الطبيعة فلا مانع من مباشرة الباقين أيضا ويكون متصفا بالوجوب قبل إتمام العمل ولو من البعض نعم لو لم يكن أجزاء الفعل مرتبا بعضها بالبعض وشرع فيه بعضهم سقط ذلك البعض عن الباقين وكان الإتيان بالباقي واجبا على الكفاية الثالث لو أتم البعض فعله قبل الباقين فيما يصح تلبس المتعدد به خرج فعل الباقين من الوجوب لسقوط التكليف به وحينئذ فإن كان الفعل مما ثبت شرعيته جاز إتمامه ولو كان مما يحرم قطعه وجب الإتمام من تلك الجهة ولا إشكال فيه حينئذ وإلا أشكل الحال فيه والظاهر الرجوع فيه إلى مقتضى الأصل فإن كانت عبارة لم يجز الإتمام لأن سقوط ذلك التكليف حينئذ قاض بانتفاء الأمر إذ المفروض عدم حصول أمر قاض بمشروعيته ذلك الفعل وإلا جاز الإتمام ولو علم في الأول عدم إمكان إتمامه قبل الآخر بعد شروعه فيه ففي وجوب تلبسه به حينئذ وجهان أوجههما ذلك لإمكان طرو مانع للآخر عن الإتمام ويحتمل البناء على ظاهر الحال فيسقط منه الوجوب في الظاهر سقوطا مراعى بالإتمام وحينئذ فلو كان مما لا يشرع فعله على تقدير سقوط